محمد غازي عرابي
666
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وخفة الموازين رجحان كفة الصفات السيئة ، وصاحبها في خسر ، وذلك لأن صفاته السيئة ظلت تأسره وتحجبه بالتالي عن اللّه وتبعده ، وهؤلاء في جهنم . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 104 إلى 111 ] تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) [ المؤمنون : 104 ، 111 ] الخطاب موجه إلى أصحاب الشمال ، والخطاب موجه بشكل تمثيلي ، إذ من هم أصحاب الشمال حتى يوجه إليهم الخطاب ، وسبق أن قلنا إن الكل في عين الجمع فانون ؟ فالذات فرزت منها جمعا جعلته أفرادا جعلتهم أصحاب الشمال إسنادا لأصحاب اليمين ، حتى إذا فار تنور العناصر غرق الجميع في بحر الهيولى ولم تبق إلا الصفات العائمة في فلك المعقولات . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 112 إلى 118 ] قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 ) [ المؤمنون : 112 ، 118 ] الآيات تتحدث عن طي الزمان ، وهو ما أشار إليه سبحانه في موضع آخر قائلا : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ الأنبياء : 104 ] ، فالزمان نسبي ، وسبق أن تحدثنا عنه ، وهو موجود في حساب الإنسان النسبي فقط ، فالأبدية لا زمان لها ، ووصفناها من قبل بأنها صيرورة في ديمومة وديمومة في صيرورة ، وقلنا إن هذا هو اليوم الإلهي ، ففي أفلاك الأجرام ليس ثمت إلا الصفات داخلة وخارجة ، ظاهرة وباطنة ، تمارس دورها لتظهر ربها وليظهرها ربها ، ثم يظهر اللّه باسمه الظاهر ، وهذا هو الرجوع من النهاية إلى البداية الذي تحدث عنه الجنيد لما سئل ما النهاية ؟ فأجاب الرجوع إلى البداية . فالناس إلى ربهم راجعون أصحاب اليمين منهم وأصحاب الشمال ، وتنتهي من ثم دورة من دورات الزمان الوجودي ، ثم لا يكون زمان ولا يكون إلا الكائن بكينونة صرفة سميت في القرآن زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار .